السيد الطباطبائي
325
تفسير الميزان
التجسس أيضا كالغيبة ، وإنما الفرق أن الغيبة هو إظهار عيب الغير للغير أو التوصل إلى الظهور عليه من طريق نقل الغير ، والتجسس هو التوصل إلى العلم بعيب الغير من طريق تتبع آثاره ولذلك لم يبعد أن يكون الجملة أعني قوله : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) الخ ، تعليلا لكل من الجملتين أعني ( ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ) . واعلم أن في الكلام إشعارا أو دلالة على اقتصار الحرمة في غيبة المسلمين ، ومن القرينة عليه قوله في التعليل : ( لحم أخيه ) فالاخوة إنما هي بين المؤمنين . وقوله : ( واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) ظاهره أنه عطف على قوله : ( اجتنبوا كثيرا من الظن ) إن كان المراد بالتقوى هو التجنب عن هذه الذنوب التي كانوا يقترفونها بالتوبة إلى الله سبحانه فالمراد بقوله : ( إن الله تواب رحيم ) أن الله كثير القبول للتوبة رحيم بعباده التائبين إليه اللائذين به . وإن كان هو التجنب عنها والتورع فيها وإن لم يكونوا يقترفونها فالمراد بقوله : ( إن الله تواب رحيم ) أن الله كثير الرجوع إلى عباده المتقين بالهداية والتوفيق والحفظ عن الوقوع في مهالك الشقوة رحيم بهم . وذلك أن التوبة من الله توبتان : توبة قبل توبة العبد بالرجوع إليه بالتوفيق للتوبة كما قال تعالى : ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) التوبة : 118 ، وتوبة بعد توبة العبد بالرجوع إليه بالمغفرة وقبول التوبة كما في قوله : ( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ) المائدة : 39 . قوله تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الخ ، الشعوب جمع شعب بالكسر فالسكون وهو على ما في المجمع الحي العظيم من الناس كربيعة ومضر ، والقبائل جمع قبيلة وهي دون الشعب كتميم من مضر . وقيل : الشعوب دون القبائل وسميت بها لتشعبها ، قال الراغب : الشعب القبيلة المنشعبة من حي واحد ، وجمعه شعوب ، قال تعالى : ( شعوبا وقبائل ) والشعب من الوادي ما اجتمع منه طرف وتفرق طرف فإذا نظرت إليه من الجانب الذي تفرق